ابن يعقوب المغربي
384
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
للحذف كما تقدم أن المحذوف بعد دلالة القرينة عليه يحتاج في باب البلاغة إلى غرض موجب لحذفه ، فأشار إلى تفصيل الغرض في ذلك فقال ( ثم الحذف ) للمفعول المدلول عليه بالقرينة ( إما للبيان بعد الإبهام ) حيث يتعلق الغرض به لما فيه من كون المبين بعد إبهامه يقع في النفس لأن النفس تنتظره حيث أشعر به إجمالا ، فإذا أتى به كان أوقع في النفس ، وذلك ( كما في فعل المشيئة ) والإرادة ونحوهما كالمحبة ، وأظهر ما يكون فيه ذلك إذا وقع ذلك الفعل شرطا فيأتي جوابه مبينا للمحذوف ، ودالا عليه ، ولكن حذفه مع فعل المشيئة إنما يرتكب ( ما ) أي : مدة كونه ( لم يكن تعلقه ) أي : تعلق فعل المشيئة وشبهه ( به ) أي بذلك المفعول ( غريبا ) فإن كان تعلقه به غريبا لم يحذف ( نحو ) أي : والمفعول الذي لم يكن تعلق فعل المشيئة به غريبا هو مثل المحذوف في ( قوله ) تعالى فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ " 1 " أي : لو شاء هدايتكم لهداكم أجمعين ، ووجه وجود الإجمال ثم البيان فيه أنه لما قال : لو شاء علم أن ثم مفعولا تعلقت به المشيئة ، ولم يتعين ما هو ، ولما أتى بالجواب تبين به المفعول المحذوف وذلك ؛ لأن سوق المشيئة شرطا إنما يترتب عليها غالبا المشاء ، والمراد فكأن الشرط دل عليه فحذف أولا مع الإشعار به إجمالا ، ثم ذكر في الجواب مفصلا فيكون أوقع في النفس . وقلنا فكأن الشرط دل عليه فحذف ثم ذكر إشارة إلى أنه لم يبين لفظا ، وإلا لم يحذف وإنما ذكر معنى وإشارة إلى أن الدال عليه في الحقيقة هو الجواب ، ولكن لما أشعر به الشرط إجمالا عد دالا عليه ، والذي تعلق به الغرض هنا هو جعل معناه الذي هو مضمون الجواب واقعا في النفس ، وذلك أن القضية الشرطية أريد فيها تأكيد اللازم في ذهن السامع وتقريره فيه حتى يعلم أن الهداية تترتب على المشيئة ، فلا تطلب من غيرها فالجواب قرينة الحذف ومبين للمحذوف بالوجه السابق فليتأمل حتى لا يرد أن يقال : إذا بين الشيء بعد إبهامه فلم يحذف ، ولا أن يقال : الدليل على الحذف هو الجواب ، والبيان إنما يطلب بعد الحذف الموقوف على الدليل .
--> ( 1 ) الأنعام : 149 .